أحمد بن محمود السيواسي
221
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
[ سورة النساء ( 4 ) : آية 62 ] فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جاؤُكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنا إِلاَّ إِحْساناً وَتَوْفِيقاً ( 62 ) ثم أخبر عن عاقبتهم وحالهم بقوله ( فَكَيْفَ ) أي وكيف يكون حالهم ( إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ ) وهي قتل عمر المنافق ( بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ) أي بسبب عملهم القبيح ، وهو التحاكم إلى غيرك ( ثُمَّ جاؤُكَ ) أي يجيئونك ، يعني أولياء المنافق لطلب دية المقتول ويعتذرون إليك ( يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنا ) أي ما قصدنا بالتحاكم إلى غيرك ( إِلَّا إِحْساناً ) أي طلبا للحق ( وَتَوْفِيقاً ) [ 62 ] بين الخصمين لا إساءة ولا مخالفة لك . [ سورة النساء ( 4 ) : آية 63 ] أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً ( 63 ) ثم أشار إلى كذبهم بقوله ( أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ ) من النفاق ( فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ) يعني لا تعاقبهم على ما فعلوا ( وَعِظْهُمْ ) بلسانك بين الناس ليتوبوا ( وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ ) أي خاليا بهم ليس معهم غيرهم ، لأن الوعظ في السر أنفع وأدخل في الإمحاض ، فقوله « فِي أَنْفُسِهِمْ » متعلق ب « قل لهم » ، لا بقوله ( قَوْلًا بَلِيغاً ) [ 63 ] أي كلاما يؤثر فيهم ويغتمون به ، لأن الصفة التي موصوفها معها لا تعمل فيما قبلها ، فيه نظر ، لأن ذلك إذا لم يكن معمولها ظرفا ، وههنا ظرف فجاز إعمالها فيما قبلها ، نص عليه صاحب الكشاف « 1 » ، يعني خوفهم وتوعدهم بالقول بأنكم إن فعلتم مرة أخرى كذلك ولم تطيعوا أمري عاقبتكم بالقتل وغيره ، ونسخ بآية القتال « 2 » . [ سورة النساء ( 4 ) : آية 64 ] وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً ( 64 ) ثم قال ( وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ ) في أمة من الأمم ( إِلَّا لِيُطاعَ ) يتعلق ب « أَرْسَلْنا » ، أي لكي يطاع ( بِإِذْنِ اللَّهِ ) أي بأمره ، أي بسبب أن أمر اللّه المبعوث إليهم أن يطيعوه ، لأن طاعته طاعة اللّه ومعصيته معصية اللّه ، وقيل : معناه بتيسير اللّه أو بتوفيقه في طاعته « 3 » وبطاعته يطاع اللّه ( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ) بالتحاكم إلى الطاغوت ( جاؤُكَ ) معتذرين إليك تائبين إلى اللّه ( فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ ) بالإخلاص من فعلهم ونفاقهم ( وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ ) من اللّه ( لَوَجَدُوا اللَّهَ ) أي لعلموه ( تَوَّاباً ) أي يقبل توبة التائبين ( رَحِيماً ) [ 64 ] يرحم المطيعين بالتجاوز عن عقوبتهن ، وفي إيراد الرسول التفات من الخطاب إلى الغيبة تعظيما للنبي عليه السّلام وتنبيها على أنه مستجاب الدعوة . [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 65 إلى 66 ] فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ( 65 ) وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً ( 66 ) قوله ( فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ ) إظهار لكذبهم في إيمانهم ، و « لا » في « فَلا » زائدة لتوكيد القسم أو لتوكيد النفي في « فلا يؤمنون » ، والواو في « وَرَبِّكَ » واو القسم ، وجوابه لا يؤمنون ، وهذا كقولهم لا واللّه لا يؤمنون ( حَتَّى يُحَكِّمُوكَ ) أي حتى يجعلوك حكما ويرضوا بحكمك يا محمد ( فِيما شَجَرَ ) أي فيما « 4 » اختلف ( بَيْنَهُمْ ) وأصل التشاجر الاختلاط « 5 » والتنازع ( ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ) أي في قلوبهم ( حَرَجاً ) أي شكا وضيقا ( مِمَّا قَضَيْتَ ) في أنه الحق ( وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) [ 65 ] أي ينقادوا لأمر اللّه وأمرك انقيادا بالخلوص والرضا ، وقيل :
--> ( 1 ) انظر الكشاف ، 1 / 253 . ( 2 ) أخذه عن السمرقندي ، 1 / 365 ؛ والبغوي ، 2 / 100 ؛ وانظر أيضا هبة اللّه بن سلامة ، 37 ؛ وابن الجوزي ، 25 . ( 3 ) أخذه عن الكشاف ، 1 / 254 . ( 4 ) فيما ، س : - ب م . ( 5 ) الاختلاط ، ب : الاختلاف ، س م ؛ وانظر أيضا البغوي ، 2 / 101 ؛ والكشاف ، 1 / 254 .